هذا المقال هو جزء من سلسلة ريادة الأعمال

بدايةً، أود أن أطرح السؤال الأزلي الذي يتم طرحة بشكل مستمر في كل مكان على الانترنت: لماذا يجد أصحاب الكوميديا والكيك والبرامج “التافهة” وما إلى ذلك دعماً مادياً وإعلامياً في مجتمعنا، بينما لا يجد ذلك المبدعون الحقيقيون (كما يسمّيهم البعض) الذين يثرون المحتوى العربي بما يفيد؟
طبعاً الإجابة ستكون غالباً الاسطوانة المعتادة التي تتحدّث عن كيف ان مجتمعنا تافه وغير واعي ولا يقدّر المبدعين، وان المبدع في الغرب يتم دعمه حتى ينجح، بينما المبدع في الدول العربية تتم محاربته حتى يفشل، وما الى ذلك من الكلام الفارغ.
ولكن لماذا نلجأ الى لوم المجتمع أو المؤامرة الغربية أو أياً كان ما نختاره كشماعة عادة، ونترك المشكلة الرئيسية: المبدع نفسه!!
المبدعين المدلّلين، وتوقعاتهم الغير واقعية
عزيزي المبدع: أرجوك، لا تعتقد أنك بمجرّد تفضّلت علينا بشيء من وقتك، وقمت بانشاء محتوى “مفيد” بأي شكل كان، بأن ذلك يعني اننا ندين لك بشيء.
أعلم – من تجربة شخصية سابقة – أن عدم توفّر الدعم شيء مزعج بالنسبة لك، ولكن المزعج أكثر أن تتوقع أن هناك من سيبحث عنك ويتواصل معك ليغدقك بالأموال التي تكفي لتنفيذ كل الأفكار الجميلة التي في بالك من أجل اثراء المحتوى العربي فقط. أرجوك، توقّف عن العيش في ذلك العالم الوردي الصغير وأخرج إلى الواقع قليلاً.
الحصول على الدعم يتطلّب الكثير والكثير من العمل والصبر (سواءاً هنا أو في أمريكا أو في كوكب عطارد)، ويتطلّب أيضاً التواصل (بنفسك) مع العديد من الجهات الداعمة سواءاً كانت معلنة أو راعية أو استثمارية. وفي الوقت الذي تقضيه وحيداً في زاوية غرفتك تبكي على عدم وجود الدعم، هناك الكثير ممّن يجتهد ويذهب إلى تلك الجهات ويقنعها بدعمه، ويحصل على الدعم في النهاية! لن تنفعك دموعك حينها أيها المبدع المدلّل.
فكّر في مكاسب الجهة الداعمة
قبل أن تطلب الدعم من أي جهة، فكّر كيف ستستفيد تلك الجهة من دعمك (سواءاً مادياً أو معنوياً). أغلب الجهات التي يمكنك الحصول على دعم مادّي منها هي شركات ربحية هدفها الاول هو الربح، وبالتالي فكّر في كيف سيفيدهم دعمك. هل ستساعدهم في الحصول على المزيد من العملاء؟ هل ستساهم في تحسين صورتهم؟ هل ستتمكّن من رفع مبيعاتهم؟ هل ستستطيع نشر فكرتهم؟ لا تتوقّع أن يقومون بدفع المال لأجل “اثراء المحتوى العربي” فقط، لا أحد يهتم الا في حال كانت جهة خيرية أو حكومية هدفها الأساسي هو دعم الشباب أو المحتوى مثلاً.
تخيّل نفسك مكان الشركة الداعمة: هل ستدفع مبلغاً من المال كدعم لأحد المواقع التي تثري المحتوى العربي دون مقابل؟ اذا كانت اجابتك “نعم”، فبامكانك التواصل معي وسأرسل لك رقم حسابي البنكي. لا تهتم بالالعاب الالكترونية؟ لا بأس، سأرسل لك حسابات أصحاب مواقع أخرى “مفيدة” أيضاً. أقول ذلك بكل جدّية بالمناسبة. لا تتعذّر بـ”بس ياخي هذولي شركات عندها فلوس كثير! وش بيضرها لو دعمت؟”، بامكانك دعم أي من الحسابات التي سأرسلها لك بمبلغ بسيط مثل 100 أو 200 أو 500 ريال فقط. هيا ماذا تنتظر؟ ألا تريد المساعدة في دعم المحتوى العربي والنهوض بالأمّة أيها المبدع العظيم؟
راجع جودة أعمالك
لا زلت تجد صعوبة في الحصول على الدعم؟ قد تكون جودة عملك سيّئة. أقدّر كثيراً جهدك الذي تضعه في تصوير فيديوهات عن “تقنية النانو” مثلاً، ولكن قد يكون أسلوبك مملاً ولا يساعد في مشاهدة حتى دقيقة واحدة من الفيديو. نعم، أنت بلا شك تعتقد أن هذا فيديو مهم جداً ومثير للاهتمام بحكم معرفتك بالموضوع، ولكن بالنسبة لآخرين لا يعرفون شيئاً عن هذه التقنية، هو مجرّد فيديو ممل آخر لا يستطيعون اكماله.
طوّر نفسك باستمرار، ولا تعتقد أن مجرّد قيامك بأي شيء سيضمن لك المتابعين أو المستخدمين.
البرامج الترفيهية تحصل على الدعم بسهولة بسبب انتشارها
من الطبيعي جداً انني اذا كنت أرغب في الاعلان عن “عصير” مثلاً، فسأختار الاعلان عند (وبالتالي أدعم) من يملك نسبة مشاهدات ومتابعة كبيرة، وبالتالي أحصل على فائدة أكبر (وأضمن) من استثماري في الاعلان. (ملاحظة: هذه ليست قاعدة، فهناك الكثير من الحالات التي يكون الاستثمار في المواقع المتخصّصة أكثر جدوى للمعلن، ولكن أتحدّث عن نظرة المعلنين بشكل عام)
لو كنت صاحب برنامج حواري مثلاً، فمن الطبيعي أنني سأستضيف “فيحان” أو “بدر آل زيدان” أو أي شخص آخر مشهور أو مثير للجدل، لأنني حينها سأرغب في رفع نسبة المشاهدين لبرنامجي.
بمعنى آخر، هذه الجهات (اعلانية أو اعلامية) ترغب في الترويج لنفسها كما ترغب أنت في الترويج لنفسك! العالم لا يدور حولك وحدك يا عزيزي.
الخلاصة
اذا أردت أن يحصل مشروعك على دعم مادّي أو أعلامي، فيجب عليك أن تعمل للحصول على ذلك الدعم، وتقنع الشركات بأن الاستثمار بمشروعك سيعود عليهم بالفائدة. أو باختصار: أسترجل.
ولكن بقي سؤال مهم هنا: لماذا لا ينتشر المحتوى المتخصّص أو “المفيد” كما ينتشر المحتوى الكوميدي أو “التافه” كما يسميه بعض الناس؟ الأجابه على ذلك ستكون في مقال الأسبوع القادم ان شاءالله.


